وفي هذا العمل تقترب الرواية من الذات الإنسانية، رواية مغلقة حول سؤال الذات، الغربة والعزلة، الحياة والحلم، الخيال واليقظة، البدايات والنهايات، الشك واليقين، الحب والحرب. كل هذه المفردات تضمنها الرواية عبر آليات صياغية رسمت من خلالها ملامح فترة عصيبة مرت بها بلادها أثناء حرب تموز – يوليو 2006، حتى يبدو العمل الروائي الوسيلة الأفضل للتعبير عن عمق الحياة وملوناتها بكل تشعباتها وإرهاصاتها. هي رواية تتكلم عن العزلة: عزلة الزمن، وفي تلك العزلة تقع بطلة روايتها «زينب» التي جاءت إلى بيروت برفقة عائلتها بسبب القصف الإسرائيلي لمنطقة ضاحية بيروت الجنوبية. فكانت حياتها مليئة بالانتظار، الملل، وعدم الشعور بالأمان، تعيش وسط قسوة، وآهٍ متسلطة، فتغرق في الفراغ، الفراغ الذاتي والخوف من المجهول، فكانت الكتابة ملاذًا لها في ظلمة الليل، فتزاحم الذكريات وتترجم وسط أزيز الأطفال المكتوم المنبعث من الحي الذي نقطنه، ونواح الأمهات الثكالى.
موت جدتها التي أحبّتها كثيرًا، بدأ قصة زينب مع الرواية «مارغريت دوماس» أثناء دراستها للأدب الفرنسي، فغرقت في قراءة رواياتها التي أحبّتها كثيرًا، وخصوصًا قصة حبّها مع «يان أندريا» الذي عاش معها 15 عامًا، وكان كاتبًا شابًا. أما هي – مارغريت – فكانت في الخامس والسبعين حين بدأت قصة حبّها، ما يجمع بين «زينب» و«يان أندريا» تلك العزلة التي أحسّت بها بعد موت مارغريت، فبدأ زينب تجمع في تقاطعات أيامها. فهي ملكة تشعر بغربة موحشة على الرغم من وجودها وسط عائلة، وهنا تتقاطع القاصمة والمعتمة من النفس البشرية فتسمح لباطنها بالبوح بما يحتاجه، فنقلب بها إلى أعماق «يان أندريا» لتقول له: «مارغريت كتبت لك مجرد وهم، ماذا لو كانت قضيتك مع مارغريت تجربة نسائية أخرى غير الحياة؟ أليست الحقائق تحمل شكلًا لا يمكن إنكاره؟ ماذا لو وهمت بها إلى حد الانفجار معها ومعه حتى تحوّل الطموح لك إلى كابوس؟ عرفتك حياة عظيمة ومستمرة إلى الأبد… أما أنا فأقترب من عام الثلاثين وأدرك أن أجمل ما كنت أرجوه لم يتحقق أحاسيسي بشكل تام مع أي أحد، لذا فتحتني قصة حبك لمارغريت، وزمن استمرارها… أنت الذي تكتشف بقراءته رسائلي عن بعد اشتياقي للمس أصابعك الخجولة والجافة، حين ألتقي بك سأحتضن أصابعك بين يدي طويلًا…».
إن ما يميّز «أغنية لمارغريت»، وبحذرها في زحمة النصوص الأدبية الجادة هو أنه عمل «حمال أوجه»، فهو بقدر ما يصف خراب المدينة – بيروت – والضاحية بسبب القصف الإسرائيلي الهمجي، بقدر ما يصف عذابات الروح واغترابها، ولحظات الفرح المسروقة وسط ضجيج القنابل. تجسد ذلك في قرار كل من «كارمن» و«رضا» عدم تأجيل حفل زفافهما والسماح للحرب أن تفسد خططهما في الحياة وأحلامهما معًا. هكذا هي «أنا عبد الرحمن» بيروت في قلبها، فلطالما لا يأفل عنها، هي حاضرة دائمًا في قصصها، بطلتها الدائمة، التي يمكن أن تظهر بأسماء أخرى، لشخصيات تشبه ضجيج المدينة وهدوءها وحزنها في كل منعطف. وكل حدث، هي رؤيا كاتبة للحياة والعالم، شخصيات رواياتها لا ترضخ لرتيبات ابتدعها الآخرون وجعلوها منها قانونًا، بل هي شخصيات تعيش زمنها الخاص وتبوح بحكايات يمكن أن تحدث ويمكن ألا تحدث، يجيئون في أكثر من مكان، وأكثر من كتاب، وأكثر من بيت، فنقول في النهاية إن الشمس لا بد أن تشرق، وإن المسألة هي مسألة وقت ليس إلا، حتى نعيد الأسئلة ونحيا الحياة بكل قوة؛ فما زال هناك المزيد من الوقت لنقول ونكتب، فبالكتابة وحدها يضاء الدرب ويتفتح الأفق أمام النفوس الحائرة.



Reviews
There are no reviews yet.