«البجعة السوداء» للكاتب الأميركي من أصل لبناني نسيم نيكولا طالب، الفيلسوف وأستاذ «اللايقين» في جامعة نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية، كتاب نال شهرة واسعة، وبيع منه ملايين النسخ في الولايات المتحدة الأميركية وحدها. وبصورة اهتمامه وتوجهه في نفس إطار تخصصه القائل إن الإنسان، وخاصة المعاصر، يميل إلى التحليل المنطقي والعقلاني في الفهم والاستنتاج، والمعرفة التي يبرمج على أساسها مسيرته ويخطط مستقبله، يكاد يجزم بقدرته على تنفيذ هذه المخططات، وعلى الوصول إلى الأهداف النظرية التي يحددها، ما لا يضعه المرء عادة في حسابه أو الذي يقلل غالباً من دوره، هو احتمال وقوع حدث غير متوقع، يكون كافياً لتغيير كل المخططات الموضوعة، فيقلب الموازين ويدمر صورة الواقع وحقيقته، ليعطيه صورة أخرى وحقيقة مختلفة، ويغير خارطة الاتجاهات والتوجهات بكاملها.
إن عجز العقل البشري عن توقع أي حدث، وبالتالي عجزه عن التحضير للتعامل مع نتائجه ومع التغيرات الحاسمة التي يولدها، يعود إلى إمكانية وقوعه، تلك التي تؤدي إلى إهماله وتجاهله. لذا يشبه الكاتب «البجعة السوداء»، لأن احتمال الورود بنسبة عالية، وكما يعرف الجميع ويعتقد، أن البجعة بيضاء اللون عادة، في حين أن الاحتمال الضئيل بالرغم من أنه قد يفتح آفاقاً من المعرفة الأوسع والأرحب، هو الوجود الحقيقي والنادر للبجعة السوداء اللون في أستراليا.
يحدد الكاتب هوية وماهية مفهوم حدث «البجعة السوداء» بثلاثة عناصر وهي: أولاً: حدث غير متوقع تماماً. ثانياً: له تأثير هائل. وثالثاً: أن دماغنا سوف يجتهد بعد حصوله، للبحث عن الأسباب المنطقية التي أدت إليه. كما يتخذ العديد من الأمثلة على وقوع هذه النوعية من الأحداث في مجال أوجه الحياة السياسية والعامة، كالحرب العالمية الثانية، أو أحداث 11 أيلول في الولايات المتحدة الأميركية، أو حصول التسونامي، كما في الحياة الاقتصادية كالأزمات المالية الحادة والانهيارات المفاجئة التي يعانيها الاقتصاد، وفي الطبيعة، كظهور أنواع جديدة من الميكروبات والفيروسات التي سببت أمراضاً مفاجئة للإنسان، وأيضاً في حياة الفرد الشخصية والخاصة.
يقدم المؤلف من خلال هذا الكتاب دعوة مفتوحة للجميع لإعادة النظر والتساؤل من جديد حول كل ما يعتبر أمراً بديهياً، فما من يقين فعلي ودائم لأي فكرة أو قناعة أو توجه في مسيرة الحياة بشكل عام، ولا لمسيرة الفرد الشخصية نتيجة وجود هذه «البجعات السوداء» التي لا يضعها الإنسان في الحساب، ونتيجة إهماله لمقاربتها، في حين أن حدوثها سيؤدي إلى قلب حياته رأساً على عقب. فيتوعظ الذين يعتبرون أنفسهم «خبراء» في مختلف ميادين الحياة، وليضعوا حسبان «اللايقين» في أقوالهم واستنتاجاتهم وخططهم المستقبلية، وليتذكروا على الدوام الدور الكبير والهائل الذي يمكن للصدفة أن تلعبه في تغيير مجرى الأمور وحتى نسف وإعادة المعطيات التي تبنى عليها أسس تنظيم الحياة حاضراً، كما أسس رؤيتها مستقبلاً. ويتوقع الإنسان ما هو غير متوقع، لأن «التطرف» والمجهول وغير المتوقع هي ما يتحكم بعالمنا، وكي لا نكون كالدجاج الذي لا يشك لحظة أن الإنسان اللطيف الذي يتعامل معه والذي يقدم له الغذاء والماء يومياً، إنما هو يفعل ذلك ليقطع عنقه فيما بعد.




Reviews
There are no reviews yet.