احتل السرد منذ أقدم العصور وما زال مكانة معتبرة في الحياة العربية، وكان أساسياً مهماً من أسبابها، لذلك فإن الحديث فيه وعنّه مغامرة شاقة وشائقة لأسباب عدة، منها غواية السرد وفتنته وشدة أسره والفضول الذي يحسه الإنسان تجاه الماضي، وتجاه السابقين. ومنها خصوصية السرد العربي بكل أنواعه عندما كان قائماً في إحدى مراحله على الرواية والنقل الشفهي، ومنها وفرة المادة السردية العربية وتشعبها مصادر وموضوعات وأغراضاً وأنواعاً ودراسات وآراء أيضاً، ومنها كذلك الدور الكبير الذي قام به في صياغة العقل العربي وإقامة صرح المشروع العلمي العربي عندما كان أحد أهم الأدوات التي صيغ بها؛ نظراً للآفاق المعرفية الكبيرة التي يفتحها أمام منتجه ومتلقّيه.
وبالإحاطة به ليس من باب النظر في مظانه ووظائفه وغايته وخصائصه وبنيانه وعلاقاته بعضها ببعض؛ لأن السرد أو الرواية أو الحكي أو القصص باعتباره استعادة للماضي وتمثيله، كان بمختلف أشكاله وأنواعه – كما نرى – محكوماً بنسق حياتي معيّن انعكس على بنية المروي وتوجهه خدمةً لأغراض ومقاصد معيّنة كانت من صميم احتياجات العربي.
من هنا كانت الإشكالية الأساس لموضوعنا هي الظاهرة السردية العربية بأنواعها وأشكالها ووظائفها، ولأن دراسة الظاهرة السردية واستكشافها تتم من منظورات ثلاث:
1- باعتبارها حدثاً مروياً أو “حكاية”.
2- باعتبارها “خطاباً” سردياً قصة مكتوبة أو مروية شفهياً.
3- باعتبارها فعلاً خطابياً سردياً، تتجسد كلها عبر الوظائف التي سنستعرضها في الفصول الموالية، فقد دار بحثنا على أربعة محاور شكل كل منها موضوعاً فصلاً على النحو التالي:
نتتبع في الفصل الأول مصادر السرد العربية ومظانها وهي كثيرة ومتعددة لوفرة المادة المروية وتعدد وظائفها وكثرة النصوص التي اعتقدنا مستودعاً لسرود ومرويات.
أفرد الفصل الثاني لمركزية السرد في الحياة العربية العامة والخاصة مظهرين مكانته فيها ووظائفه ومقاصده ودوره في توجيهها، فميزنا في الوظيفة السردية عامة نوعين: الوظائف الضمنية والوظائف الطارئة. محلّلين عند النظر في الصنف الثاني التعرف على أهدافها ومقاصدها الكثيرة والمتنوعة بتنوع حاجات الفرد ومتطلبات حياة المجتمع.
أما الفصل الثالث فقد خصصناه لبحث جدلية الشكل والمضمون في السرد العربي، بمعنى مدى تحكم الوظائف المتوخاة منه بدوافعها وأهدافها في أشكاله وفي بنى المرويات ومكوناتها، والحديث عن تصنيفات السرد ومحاوره وقضايا أخرى ذات صلة بالسرد.
الفصل الرابع:
أمّا عن المنهج المتبع فهو خليط من التاريخ والوصف والاستقراء والاستنباط. نتتبع الظاهرة السردية ووصف محيطها واستقراء النصوص ومن ثم استنباط الآراء والملاحظات. مصادرنا في كل ذلك الكتب والمدونات العربية القديمة والحديثة سواء منها تلك التي جمعت السرود وقدّمت لها أو تلك التي جعلتها موضوع حديثها وسردها أو تلك التي تناولتها في معرض ما تناولت من آداب العرب وباقي مظاهر حضارتهم وتاريخهم.







Reviews
There are no reviews yet.