في كتابه «السفير»، يقدّم زلماي خليل زاد سرديةً معمّقة لتجربته الدبلوماسية في أفغانستان والعراق والأمم المتحدة، مستعيدًا محطات مفصلية من التحوّلات الكبرى التي شهدها العالم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لا يكتفي الكتاب بتوثيق الوقائع، بل يكشف رؤى كاتبٍ عايش صناعة القرار عن قرب، وتنقّل بين عواصم الصراع، ملتقيًا قادةً دوليين وممسكًا بخيوط تفاوض معقّدة في لحظات تاريخية حسّاسة.
يرصد خليل زاد مسارات التدخل الأميركي، وكيف تداخلت أهداف إسقاط الأنظمة مع مساعي بناء الدولة، مسلطًا الضوء على التحديات البنيوية التي واجهت محاولات ترسيخ الحكم الرشيد وبناء المؤسسات الوطنية، ولا سيما في أفغانستان حيث اصطدمت الجهود الدولية بعودة التطرّف، وفي العراق حيث تعقّدت مسألة الاحتلال، وإدارة المرحلة الانتقالية، ومخاطر الفراغ الأمني.
يعترف المؤلف بأن التجربة لم تكن انتصارًا خالصًا ولا فشلًا مطلقًا؛ إذ برزت إنجازات مؤقتة سرعان ما أُضعفت بسبب الحسابات الخاطئة، وتبدّل الأولويات، وغياب الرؤية طويلة الأمد. ومع موجات التشاؤم الراهنة في السياسة الخارجية الأميركية، يكتب خليل زاد بروحٍ نقديةٍ واقعية، داعيًا إلى تقييمٍ متوازن للأخطاء والدروس بدل الانسحاب إلى خطاب الإحباط.
ويختتم الكتاب بجملة من العِبر الدبلوماسية: ضرورة فهم الخصوصيات الثقافية، وأهمية الشراكة الحقيقية مع القوى المحلية، والحاجة إلى تواضع القوة عند مواجهة الأزمات المعقّدة. فالتغيير الإيجابي، كما يرى، لا يُفرض من الخارج وحده، بل يتطلّب صبرًا، ومسؤوليةً، والتزامًا طويل الأمد—دروسٌ لا تزال راهنيتها قائمة في عالمٍ مضطرب لا يكفّ عن اختبار حدود القوة ومعنى القيادة.




Reviews
There are no reviews yet.