تقف دراسة “العجائبي والسرد العربي: النظرية بين التلقي والنص” للدكتور لؤي علي خليل على الحافة بين ما هو أدبي ومقدس وتاريخي، وهذا يقود إلى سؤال أساسي يثيره المؤلف مفاده: مدى قدرة النصوص على إثراء الهيكل النظري لمفهوم العجائبي في الأدب العربي وتطويره.
في المقدمة التي يفتتح بها المؤلف عمله، يقول: بدأ التفكير بضرورة إنشاء هذه الدراسة (النظرية – التطبيقية) منذ أن طالت الجهود التي بذلها النقاد الغربيون في سبيل التنقيب لمفهوم تجنيسي هو (العجائبي)، ذلك أن مساحة هذا المفهوم جعلتني على اعتقاد يشبه اليقين بحضوره في بنية الفكر العربي الإسلامي وفي نصوصه السردية التي أفرزها. وكلما أوغلت في قراءة حدود (العجائبي) ازدادت يقيناً بالحاجة إلى دراسة تنقل ذلك الحضور من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. وعزز هذا الاعتقاد عندي أن معظم النصوص التي اعتمدها النقاد تمثيلاً لهذا المفهوم هي نصوص مشرقية مثل (ألف ليلة وليلة)، أو ذات طابع مشرقي، مثل المخطوط الذي عثر عليه في شرقطة.
أما علة التلازم بين العجائبي ونصوص التراث الإسلامي فيثيرها المؤلف بـ”وقوع كل منهما على حافة الحقيقة”، بين الممكن والمستحيل، أو بين الحقيقي وغير الحقيقي؛ فالعجائبي فئة حيرة أمام الحدث الخارق، بين تفسيره بما يلائم نظم الحقيقة الواقعية أو في تفسيره بما يناقضها. وفي نصوص التراث الإسلامي يبقى الحدث الخارق واقعاً بين (الممكن) على اعتبار أنه لا يعجز القدرة الإلهية، وبين (المستحيل) الذي يجعله خيالاً محضاً لعدم وجود برهان يلزم وقوعه على الحقيقة، ويبدو ذلك واضحاً في احتواء النصوص على الجن والملائكة، واخترق السماوات، والمشي على الماء، والطيران في الهواء.
وهذا ما يمنح الدراسة أهميتها، فهي بحث الأولى في ميدان نصوص الثقافة العربية الإسلامية ونصوص الأدب العجائبي، ولا سيما نصوص الكرامات والمعراج وغيرها، ويبحث أيضاً عن قدرة النصوص على تطوير الهيكل النظري العام لمفهوم العجائبي بما يدعو إلى إعادة التفكير في طبيعته، وفي قدرة قوانينه على التعميم، لتشمل مختلف النصوص، أياً ما كانت الحضارة أو الثقافة التي تنتمي إليها.
وبناء على ما تقدم مهّد المؤلف للدراسة التطبيقية بدراسة نظرية تناولت في تلقي العجائبي في الثقافة النقدية العربية الحديثة، من جهة المفهوم ومن جهة المصطلح، وخاصة بعدما أصبح لكل ناقد (عجائبيته) الخاص. وعلى هذا استقرت الدراسة في جزئين، يكون الأول منهما سبيلاً إلى تحرير العجائبي من التيباسات التلقي في المصطلح والمفهوم، وسبيلاً أيضاً إلى فهم طبيعة العجائبي الخاصة التي تميزه عن المفاهيم الأخرى الحافة به كالأسطورة والعجيب والغريب. ويكون الجزء الآخر منها اختباراً للنظرية والنصوص معاً، وهنا يختار المؤلف نصوص “الكرامات” – نصوص المعراج والمعاف والمراح – لاستكمال الفائدة. أُرفقَت الدراسة بملحق يضم نصاً كاملاً لأحد معارج الشيخ الأكبر ابن عربي (معراج الفتوحات)، وهو من تحقيق: هيئة البحوث والدراسات بدار الفكر، ومن تقديم محمود مطرجي، وأخيراً نتائج الدراسة.







Reviews
There are no reviews yet.