… من هنا بدأت «ثقافة الاحتماء» وحدث تحوّل سيكولوجي خطير، وهو أن الشعور بالانتماء صار إلى المصدر أو القوة التي تحمي الفرد، وتعطّل الشعور بالانتماء إلى العراق وتحول إلى ولاءات لا تُحصى، ومما سهّل على العراقيين التخلي عن انتمائهم إلى العراق، هو أن النظام السابق ساوى في الانتماء بين العراق-الوطن، ورئيس النظام صدام حسين هو العراق. وتفق الناس على مدى ربع قرن عبر قنواته الإعلامية ومؤسساته التربوية والكواد الحزبية بهذه المعادلة، وأنه عندما سقط رئيس النظام واختفى في حفرة تحت الأرض، انهارت تلك المعادلة نفسيًا. فخرج الـ«27» مليون عراقي إلى ما قد يزيد على المليون انتماء، وصاروا أمام واقع نفسي جديد، هو:
إن الولاءات المتعددة في المجتمع الواحد، الذي ينهار فيه انتماؤه وجودًا طوعًا أو قسرًا، لا بد أن تتصارع فيما بينها على السلطة، حين لم يعد هناك دولة أو نظام.
… إن العراقيين، أو معظمهم، كانوا مضطرين لا مختارين إلى اللجوء إلى جماعة أو قوة تحميهم بعد سقوط هيبة الدولة التي كانوا يشعرون فيها بالأمان، مدفوعين بـ«سيكولوجية الاحتماء» من خطر يتصاعد في حاضرهم، أو تهديد بخطر مستقبلي يتوقعونه يقينًا.
فإن تأسيس «مجلس الحكم» كرس رسميًا حالة تعدد الولاءات إلى طوائف وأديان وأعراق وأحزاب وتكتلات… على حساب الانتماء إلى العراق.
ومن هنا نشأ تحوّل سيكولوجي جديد لدى الناس، فبعد أن أصبح الانتماء للدولة (وليس للنظام فقط) وفقدوا الأمان، ودفعهم الخوف إلى قوة تحميهم «العشيرة» بشكل خاص… أكثر الولاءات تخلفًا. بدأ «مجلس الحكم» يأخذ في وعيهم أنه الوسيلة إلى السلطة… ثم الدولة.
فتقدّم لديهم سيكولوجية «الحاجة إلى السيطرة» التي تؤمن لهم بالنتيجة «الحاجة إلى البقاء».







Reviews
There are no reviews yet.