بعث نوري السعيد بمن بلغ البلاط عبول بأن يعد له بلمة لاثنين أفندية في نزهة، على أن حل الظلام حتى نزل الملك بصحبة نوري السعيد وركبا البلم وانطلق بهما عبول. كان عبول كأكثر البلاّمين في بغداد مولعًا بشرب العرق، ولا سيما في السهرات الليلية. قال لضيوفه: «تسمحوا لي يا جماعة»، وأخرج طاسة الفافون وصب العرق فيها، ثم كاسره بالماء، وقطعة ثلج، ثم قدم الطاسة إلى الملك قائلًا: «تفضل أفندي، أخذ لك مصّة!» لم يذق ابن الحسين الخمرة في حياته ولكنه كان رجلًا مجاملًا دمت الخلق، لم يشأ أن يجرح شعور البلاّم. فأخذ الطاسة ومسّ حافتها بشفته وتظاهر بالشرب، ثم مررها إلى رئيس وزرائه الذي اشتهر بشغفه بالعرق المسكري البغدادي، فاحتسى منها جرعة وأعادها شاكرًا إلى عبول. راح البلاّم يكرع ويتألق في الحديث. انطلق يسب الحكومة والوزراء والأوضاع والإنكليز على عادة العراقيين في أيام الخير.
بعد ساعتين أو ثلاث، استدار البلم وتوجه عائدًا إلى شريعته في الميدان. خطر لنوري السعيد وهو يهم بالنزول أن يسأل البلاّم فقال له: تعرف منو إحنا؟ أجابه قائلًا: لا خير ما أعرفكم، قالوا له: اثنين زلم أفندية. فقال له أبو صباح: اسمع، هذا الرجل هنا فيصل الأول ملك العراق، وأنا نوري السعيد رئيس الوزراء.
ضحك عبول ساخرًا: يا الله! يا الله! تفضلوا انزلوا! أنت أخذت لك مصّة وقمت تشوف نفسك رئيس الوزراء، وهذا صاحبك أخذ نص مصّة قام يشوف نفسه ملك العراق. يا الله امشوا…







Reviews
There are no reviews yet.