في كتاب «ماذا بعد؟ أوكرانيا، الإيمان الصوفي بالتاريخ» يسعى المؤلف بجدية إلى الإحاطة بجملة واسعة من الأسئلة والشكوك التي ما زالت مفتوحة منذ اندلاع الحرب، سواء داخل روسيا أو خارجها. وتتمحور هذه الأسئلة حول مصالح الملايين، ومآلات الصراع، ومستقبل الدولة الروسية، فضلًا عمّا كشفته الأزمة الأوكرانية من أبعاد تاريخية وسياسية عميقة لا يمكن اختزالها في بعدها العسكري المباشر.
يقدّم الكتاب قراءة تحليلية لأزمة أوكرانيا بكل تعقيداتها، متتبعًا جذورها التاريخية ومساراتها السياسية، ومبيّنًا كيف تحولت إلى اختبار حاسم للتوازنات الدولية. ويستند المؤلف في هذا المسعى إلى خلفية فكرية غنية تستلهم أطروحات الدبلوماسي الأمريكي الراحل هنري كيسنجر، ولا سيما ما يتعلق بفهم التاريخ بوصفه عنصرًا فاعلًا في تشكيل الاستراتيجيات الكبرى.
ينطلق المؤلف من مراجعة نقدية لمفهوم «الإيمان الصوفي بالتاريخ»، وهو المفهوم الذي يرى أنه لعب دورًا محوريًا في تشكّل العقل الإمبراطوري الروسي، وساهم في تراكم تصورات تاريخية ممتدة أثّرت في سلوك روسيا السياسي على مدى قرون. ويشير إلى أن بوتين، في مقاربته للصراع، يستند إلى هذا الإرث التاريخي، محاولًا استعادة مكانة روسيا في مواجهة ما يعتبره تمددًا لقوى الغرب على حساب مصالحها الاستراتيجية.
ويكشف الكتاب عن كيفية تغيّر الموقع الروسي على خريطة السياسة العالمية، وعن مساعي موسكو لإعادة تعريف دورها الدولي، سواء عبر القوة العسكرية أو من خلال إعادة صياغة خطابها التاريخي والرمزي. وفي هذا السياق، يعتمد المؤلف على الوقائع الميدانية والوثائق التاريخية، مقدّمًا سردًا شفافًا للأحداث، ومبرزًا ما تختزنه ذاكرة التاريخ من شواهد وإشكاليات تعود في كثير منها إلى عقود سابقة.
كما يتوقف عند محطات مفصلية في العلاقات الروسية-الأوكرانية، مبرزًا أن النزاع الراهن ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لصراعات قديمة تعود إلى منتصف القرن الماضي، وإنْ اتخذ اليوم أشكالًا أكثر حدّة وتعقيدًا. ويؤكد أن هذا الصراع لا يمكن فهمه بعيدًا عن تداخل العوامل الجيوسياسية والتاريخية والهوياتية.
ويمتاز الكتاب بعرضه الدقيق للوثائق والتحليلات، ما يسمح للقارئ بتكوين رؤية أعمق عن طبيعة الأزمة، دون تبسيط أو انحياز فجّ. فهو لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يسعى إلى تفكيك الخطابات السائدة، وكشف ما تخفيه من تأويلات انتقائية للتاريخ.
ويُختتم الكتاب بالإشارة إلى الخلفية العلمية للمؤلف، الذي يُعد من أبرز المتخصصين في الشؤون الروسية؛ إذ ينتمي إلى الجيل الأول من دارسي اللغة الروسية في العالم العربي، ويحمل درجة الدكتوراه في اللغة والأدب الروسي، ويعمل أستاذًا للغة الروسية في جامعة القاهرة. وقد سبق له أن أسهم في تأسيس الجمعية المصرية لخريجي الاتحاد السوفييتي، كما قدّم للمكتبة العربية أكثر من خمسة وثلاثين كتابًا مترجمًا ومؤلفًا في السياسة والتاريخ والثقافة.




Reviews
There are no reviews yet.