إذا كانت شهرزاد حكت حكاياتها لشهريار في ألف ليلة وليلة، فإن آدم قرزان يحكي حكايته في 365 رسالة، وبين أول رسالة وآخر رسالة تمت تجربة حب حافلة بكل أنواع المشاعر تجيل إلى ما يمكن القول إن أجمل الحب، ما كان فيه المحبوب غائبًا، وغيابه هذا ما هو إلا ذاك الصمت العميق الذي يطوي له العاشق في أعماق ألف حكاية ومعنى.
ولأن للحب ناموسه الخاصة، فإن قصة حب كانت الرسائل جاءت بحجر الصدفة، وابتدأت حروفها:
«إني أبتئس في أن أنشئ بريدًا أرسل فيه كل يوم لصديقة رسالة، سأواصل الإرسال حتى أفنى أنا أو يفنى الكلام أو تحنين على يديّ وتستقبليه».
هكذا تبدأ الحكاية بنظرة في العيون، وكما يقول المثل الفرنسي: «أول رسالة حب تكتبها العيون» يستمر العاشق يبعث برسائله إلى عيون معشوقته، وقد تعدّت إلى ذاكرته أول نظرة إليها، فتهدأت إلى ذاكرته صورها المنبعثة من الذاكرة، لتحضر في النص وتبعث من جديد في كل رسالة.
ولأن لا نوع أدبيًا واضحًا، ولا تصنيفًا محددًا لهذا النوع من الحكايات، فإن الخطاب المستخدم في «ص. ب. عنتاب» هو تقنية الرسالة، حيث صيغت الحكاية هنا على شكل رسائل تقوم على جدلية المتكلم/المخاطب، فالمتكلم هو الكاتب الراوي الحاضر في شكل مباشر في النص، والمخاطَب هو الطرف الآخر/الغائب في الحكاية، والحاضر في شكل غير مباشر من خلال الراوي الذي هو الطرف الأول في الحكاية، فيبدو الكاتب في ظاهر الأمر رسائل موجهة إلى حبيب طال انتظاره، ومن خلالها نقف على حكاية المرسل ومعاناته من جهة، وموقف المرسل إليه من جهة أخرى، ولعل ذلك هو ما جعل من «ص. ب. عنتاب» نصًا إبداعيًا مختلفًا، فهو متعة اللغة، ومتعة القول، وجمال الحكاية.
من أجواء الكتاب نقرأ:
«عندما يلفظ الحب أنفاسه الأخيرة قبل أن يفعل موته، نحن نشوة الانتفاضة الأخيرة، في مرحلة انتقالية تفصل ما بين حياة وموت جديد. فموت الحب فيه ميلاد غفوي لحرية كانت مقيدة تحت دستور الحب، ولكن بحياة جسدية بعثة منزوع منها الروح، وهذه النشوة تتمثل بملامسة الجسد للروح عند دقائق الفراق، في مداعبة مقهورة لحواسنا، فنقف على أعراف ما بين بين، بين دمعة على فراق الحياة وابتسامة على ميلاد التحرر».
الموت فاصل زمني بين وجود وتأثير وجود، به نحيا ونولد من جديد، هاجس يثير حواسنا خوفًا بين لحظة وأخرى، متفاوتًا في درجات إثباته.
وهنا أنا أسقط بين أحضانه، يزحم داخلي طوابير الأمنيات فيسارع اندفاعي من سقوطي، وعندما أموت لا تعجبي بموتي، بل أقيمي له بيت عزاء كعزيز حب مات من أجله.




Reviews
There are no reviews yet.