يبحث هذا الكتاب في تحليل ظاهرة الوقف في اللغة العربية وفي نصها المقدس – القرآن الكريم – بهدف استجلاء الملامح الأساسية للمكون الإيقاعي في اللغة العربية أو المساهمة في شق هذا السبيل العلمي الذي طال تغشيه الكثير من الشوائب. إن الإشكالية التي ينطلق منها الكاتب في معالجة الوقف باعتبار مظهره الإيقاعي هي: إذا كان للغة تنظيم مماثل للموسيقى، ألا يمكن لنظرية إيقاعية أن تعالج المظهر الصوتي للغة بكافة أبعاده؟ ألا يمكن أن يكون لهذه النظرية دور حاسم في تنظيم شؤون الأقوال؟ وفي هذه الحالة، تكون لكل مكونات النمو أدوار متكافئة في تنظيم اللغة. ومن هذه الزاوية، وأخذًا بعين الاعتبار مكانة الوقف في التراث العربي، يعتبر الكاتب الوقف جزءًا من البنية الإيقاعية، ويتوقف عليه الإيقاع ويتوقف عليه الإقناع. فما هو المراد بالوقف في هذه الدراسة؟ وما تعريفه؟ يجمع النحاة وعلماء التجويد والقراءات على أن الوقف هو “قطع النطق عند إخراج آخر اللفظ”، وأنه هو قطع الصوت عند آخر الكلمة، و“قطع الصوت عن الكلمة”، و“قطع الصوت عند آخر الكلمة”. أي أن الوقف يعد بمثابة انقطاع الصوت والسلسلة النطقية المتواصلة، وتقطع السلسلة الكلامية إلى أجزاء. ومن ثم، فهو توقف عن القراءة يتخلل الأداء النطقي لمواضع محددة، وتوقف يفصل بعض الكلمات المتجاورة عن بعضها. هذه الانقطاعات والفصول توحي بأن القول يتألف من تعاقب ألفاظ تتماسك في مواطن سكون، وكل أقوال تكون من مقطوعات وسكنات. يركز الباحث في دراسته هذه على الوقف ليحصره في تجسده ومظهره في لغة القرآن الكريم ولغة الشعر ولغة التراث الفني، أي أن الوقف يعد الوقف العالي أو وقف اللغة الطبيعية في استعمالها العادية. وإذا لم يكن وقفًا عاديًا، فهو إما يكون وقفًا صناعيًا أو وقوفًا قائمًا على مفهوم اصطلاحي. ومن ثم يعتبر الكاتب أن الوقف من المنظور الاصطلاحي هو وقف العالم الفيزيائي (إيميل بنفنيست).
تتضمن هذه الدراسة المتمحورة حول الوقف، باعتباره مكونًا إيقاعيًا، أربعة فصول. الفصل الأول يبحث في الظواهر التنظيرية عند العرب ومكانة الوقف فيها. فيما يخصص الفصل الثاني لتحديد الوقف ووظيفته في التراث. ويخصص الفصل الثالث للعمليات الصوتية للوقف من زاوية نظر القدماء وزاوية نظر الصوتية الحديثة. أما الفصل الرابع فيبرز فيه الباحث فريد بنبراهيم رأيه القائل بالطبيعة الإيقاعية للوقف وتنظيمه (الإيقاعي) للأقوال، وهو دعم من اللغة العربية ووقائعها الاستعمالات النظرية والعملية التي سبق للكاتب مبارك حنون مؤلف هذه الدراسة، أن توقف عليها في دراسته السابقة التي عنونها: “الوقف: الصوائت الزمنية في اللسانيات الكلاسيكية”. إن ما ترمي إليه هذه الدراسة، وما يريد أن يقوله الباحث مبارك حنون فيما يلي: “لا يحق لنا القول بأن القواعد التركيبية قواعد إيقاعية أو أن لها على الأقل دورًا ما إيقاعيًا (…) إذ يجب أن نعيد النظر بالضرورة في بنية مكونات النحو وأساسًا بين الصوائت والتركيب. هكذا نتصور أن تنظيم اللغة وبنيتها يتمان دفعة واحدة، وأن كل مكون بنيوي على ما بينه وحجمه يستصعب عليه أمر ما فإنه يحيله على مكون آخر (…) إن الجديد الذي جاء به مؤلف هذا الكتاب هو أنه طرح أسئلة جديدة وجوهًا للأنظار نحو خلاصة جوهرية استنتجها وهي “الوقف موجه للتركيب” (…) ليست هناك دوافع غير إيقاعية لتوجيه الوقف نحو التركيب، إلا تخفي بعض قواعد التركيب التي تم تطويعها لمفعول الظواهر الفوق-قطعية. فما هي الصلات التي يمكن أن يقدها الوقف مع باقي مكونات النحو باعتباره بنية إيقاعية مجردة؟ كيف يمكن أن تنظم الصوائت في ضوء الخلاصات التي انتهينا إليها؟ مجموعة من الأسئلة يعالجها البحث في نسق مسؤول ومتكامل في رؤية جديدة تعيد تفسير مفهومنا السابق للوقف بأنه التابع للتركيب نحو نظرية جديدة.






Reviews
There are no reviews yet.