من هنا، لا يبدو للحاضر أن يُقرأ بمعزل عن الماضي. فكما يوضح عنوان الكتاب: «قبل أن يغادرنا التاريخ»، الذي اختاره الفريق الركن المتقاعد مجيد الحمداني قائد فيلق الحرس الجمهوري العراقي الثاني (الفتح المبين) لمدخل مذكراته عن الحرب العراقية، فإن التاريخ ليس سردًا منقضيًا، بل عنصرًا فاعلًا في فهم الواقع وصياغة المستقبل. وقد شارك المؤلف ميدانيًا وقياديًا في ست حروب شكّلت مفاصل حاسمة في التاريخ السياسي والعسكري الحديث للعراق، وهو ما يضفي على هذه المذكرات قيمة توثيقية واستراتيجية استثنائية.
تمتد أهمية هذه المذكرات من حرب الخليج الثانية عام 1991 إلى عام 2003، أي خلال مرحلة الحصار الدولي الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على العراق، وهي مرحلة أضعفت بشكل غير مسبوق قدرات الدولة العراقية، لا سيما العسكرية، وأعادت تعريف مفاهيم الردع والقوة والسيادة. ويشير المؤلف بوضوح إلى قرار الرئيس العراقي الأسبق إعادة احتلال الكويت عام 1994، مسلطًا الضوء على السياق السياسي والعسكري الذي أحاط به، ومحاولات إقناع القيادة العراقية حينها بعدم جدواه، عبر عرض الإمكانات الحقيقية المتاحة بكل صراحة. كما يكشف عن نتائج هذا القرار، وما استتبعه من حشود عسكرية أمريكية جديدة زادت من تعقيد المشهد الأمني والاستراتيجي العراقي.
ويتناول الكتاب كذلك إعادة بناء الخطط الدفاعية العراقية في مواجهة الولايات المتحدة، في ظل واقع استراتيجي مختل بشدة، وانتقال نمط الصراع تدريجيًا من حرب تقليدية بين جيوش نظامية إلى ما يشبه حرب العصابات. ويقدّم المؤلف وصفًا دقيقًا لمعركة بغداد وأسرارها، ولا سيما معركة فيلق الحرس الجمهوري الثاني (الفتح المبين)، حيث كانت المسؤولية الدفاعية تمتد على جبهة بطول يقارب 200 كم، من بغداد إلى شمالي الفرات الشرقي، في مواجهة قوى أمريكية متفوقة كميًا ونوعيًا. ورغم اختلال موازين القوة، يبرز الكتاب دلالات هذه المعارك بوصفها رمزًا للبطولة والفداء والانتماء الوطني، في حرب كانت نتائجها العسكرية والسياسية معروفة سلفًا.
وتشمل هذه المذكرات استعراضًا دقيقًا لمسار ست حروب خاضها العراق خلال ما يقارب ثلاثة عقود، تبدأ بحرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، ولا تنتهي بالحرب الأخيرة على العراق عام 2003. ويعرض المؤلف تفاصيل كثيرة لم يكن قد أفصح عنها من قبل، كاشفًا عن جوانب خفية من صناعة القرار العسكري والسياسي، وديناميات القيادة، والتوترات البنيوية داخل النظام العراقي.
ويمثل هذا الكتاب، بما يحمله من سرد وطني وسيرة ذاتية وقراءة استراتيجية للتاريخ، إضافة نوعية مهمة إلى المكتبة العسكرية العربية، ومرجعًا أساسيًا لدارسي فنون الحرب، وتاريخ الصراعات المسلحة، والعلاقات بين السياسة والعسكر. كما أنه يوفّر دروسًا عسكرية واستراتيجية عميقة، لا سيما في كيفية فهم المعارك الكبرى التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط الحديث من منظور من كان في قلب القرار والمواجهة.




Reviews
There are no reviews yet.