كيف يمكن لطفل يعاني اضطرابًا نمائيًا أن يصبح إنسانًا مبدعًا؟
هذا السؤال يشكّل جوهر كتاب «زهرات السحلية والهندباء»، الذي تُرجم إلى 22 لغة حول العالم. ألّفه الطبيب والباحث الأميركي توماس بويس، وشارك في ترجمته إلى العربية عدد من المتخصصين، وصدر عن مركز التعريب والترجمة والمراجعة.
يقدّم الكتاب رؤية مختلفة لفهم الأطفال، خصوصًا أولئك الذين يُصنَّفون على أنهم «صعبو المراس» أو «ذوو اضطرابات». ويضعه كثيرون ضمن أهم الأعمال في مجال الصحة السلوكية وطب الأطفال، إذ يستند إلى خبرة ميدانية طويلة وتجارب علمية عميقة. فبويس، أستاذ الصحة السلوكية والتنموية بجامعة كاليفورنيا، قضى عقودًا في العمل مع الأطفال وأسرهم، باحثًا في العلاقة بين النفس والجسد، وبين البيئة والنمو.
ينطلق المؤلف من فكرة أساسية مفادها أن الأطفال ليسوا سواء في استجابتهم للعالم. فهناك أطفال يشبهون الهندباء: قادرون على النمو في أغلب الظروف دون أن يتأثروا كثيرًا بالمحيط. وفي المقابل، هناك أطفال يشبهون السحلية: شديدو الحساسية، يتأثرون بعمق بما يحيط بهم، لكنهم – إذا توفرت لهم بيئة داعمة – قد يحققون ازدهارًا يفوق أقرانهم.
لا ينظر الكتاب إلى الحساسية على أنها ضعف، بل يراها استعدادًا فطريًا قد يتحول إلى قوة استثنائية. ويوضح أن كثيرًا من السلوكيات التي تُفسَّر على أنها اضطرابات – مثل فرط الحركة أو التوتر أو القلق – ليست بالضرورة عيوبًا داخلية، بل استجابات طبيعية لبيئات غير ملائمة. ومن هنا، ينتقد بويس الميل السريع إلى تحميل الطفل أو الجينات وحدها مسؤولية الصعوبات، داعيًا بدلًا من ذلك إلى فحص السياق الأسري والتربوي والاجتماعي.
يعرض المؤلف نتائج أبحاث وتجارب توضح كيف يمكن للدعم العاطفي، والاستقرار الأسري، والفهم العميق لطبيعة الطفل، أن تُحدث فارقًا هائلًا في مسار حياته. فالطفل «السحلبي» قد يعاني أكثر من غيره في البيئات القاسية أو المضطربة، لكنه في الأجواء الآمنة والمشجعة يصبح أكثر إبداعًا، وأعلى تعاطفًا، وأغنى إنسانيًا.
وفي فصوله الأخيرة، يشير الكتاب إلى أن المجتمع نفسه يحتاج إلى هؤلاء الأطفال الحساسين، لأنهم غالبًا من يصنعون الفن، ويقودون التغيير الأخلاقي، وينبهون الآخرين إلى مواطن الخلل. فهم ليسوا مشكلة يجب إصلاحها، بل طاقة إنسانية يجب فهمها واحتضانها.
باختصار، يدعونا «زهرات السحلية والهندباء» إلى إعادة التفكير في نظرتنا للأطفال، وإلى الانتقال من منطق “ما الخطأ في هذا الطفل؟” إلى سؤال أكثر عمقًا: “ما الذي يحتاجه هذا الطفل كي يزدهر؟”






Reviews
There are no reviews yet.