يضم هذا الكتاب “لبنان التاريخ والجغرافية والقوى السياسية” لمجموعة من الباحثين المعاصرين، عدد من المحاضرات التي أُلقيت خلال الموسم الثقافي (2007-2008)، والذي أقامه قطاع التربية والتعليم في “تيار المستقبل” تحت عنوان “لبنان التاريخ والجغرافية والقوى السياسية”. إن الهدف من هذا الكتاب، كما يبدو، هو دعوة إلى توحيد النظرة وإنماء فهم ضروري للاختلاف فيما بينها، بما يعزز قبول الآخر والتفاهم تحت مظلة الواقع اللبناني الحديث بالطائف. لذلك يعرض هذا الكتاب الأوضاع السياسية في تاريخ القديم والمعاصر، كحالة منطقة ومحافظة، وقواها السياسية المعتمدة على الحكم. ويحتوي الكتاب على ثلاثة أقسام، يتطرق القسم الأول منه في البداية إلى أصول الجماعات اللبنانية ودورها في التاريخ القديم والوسيط، أي هذا العهد العثماني وبدايته في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث يتم تمييز المسار التاريخي لهذه الجماعات عن بعضها البعض، إضافة إلى الاختلاف بين المشروع الفوقي والمشروع السفلي، فبين مشروع دولة مفروض ومشروع كيان تبلور من الداخل، إلى جانب الإشكاليات التي رافقت التشكيل، ثم المشروع الكبير الذي لم يكتمل حتى اليوم، أي المشروع الماروني في القرن التاسع عشر، الذي لم يكن بدعاً كما تطور، وتطور إلى تضمين مختلف الفئات اللبنانية والتفاعل حوله في مواجهة الاندفاعات عليه. أيضاً، يحتوي الفصل الأول على بحث هام للدكتور فواز طرابلسي بعنوان التطورات السياسية والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان في القرنين السابع عشر والثامن عشر. كما يضم بحثاً للدكتور وجيه كوثراني عن “القرن التاسع عشر اللبناني بين صراع داخلي وصراع دولي”. أما بحث الدكتور أنطوان فنيانوس (1918-1926) فأهم ما فيه أنه تناول مرحلة الانتداب الفرنسي والصراع على نموذج الدولة ومسألة الحدود. كما يقول الرئيس السابق ريمون إدّه في تصريح له: “إن سوريا ليست دولة مصطنعة، حدود لبنان قد فرضت عليه الدستور في مراحله الأولى والثانية، وقد اعترفت بها الجمهورية الفرنسية، لكن اليمين الذي حافظ على الدستور لم يتنازل عن أي جزء من أرض لبنان، ولم يتخلَّ عن أي قسم منها”. أما الدكتور أنطوان، فقد ركز على هذا الموضوع، كما تطرق إلى الطائف الحربي ومعاصريه ومطالبه، وإلى مرحلة الاستقلال، حيث كانت الحرب الأهلية بداية تآكل الدولة، وأن نصف قوة الدولة هو أمنها، ونصفها الآخر هو التوازن المجتمعي. كما عرض رأيه في “وثيقة الوفاق الوطني” التي أشار إلى وعي عام عاد بالدولة ومقتضياتها.
أما القسم الثاني من الكتاب فيسلّط الضوء على تاريخ بيروت وديمغرافيتها ووضع السكان في بيروت والضواحي، إضافة إلى دراسة ديموغرافية عن سكان جبل لبنان. كما يشتمل أيضاً على إضاءة تاريخ محافظة لبنان الشمالي وجنوب لبنان ومنطقة البقاع. أما القسم الثالث فيحتوي على إحدى عشرة مداخلة في نشأة الأحزاب والحركات السياسية اللبنانية ومنها حزب الكتائب اللبنانية ومشاركة المرأة ضمن الحركات القومية الفكرية والسياسية، كما يتم التأكيد فيها على أهمية دور العالم الديني. كما يحتوي هذا القسم على بحث للدكتور شفيق شعيب بعنوان “تعبير عن بدايات تحول سياسي ـ اجتماعي عام من الموقع الطائفي إلى الموقع الوطني، بداية تحول من حالة التشتت والتنافر الطائفي إلى بداية الاندماج وتبلور كيان شعب واحد موحد”. أيضاً، هناك إضاءة على تجربة حزب البعث العربي الاشتراكي في لبنان. كما يحتوي هذا القسم على تحليل للحالة السلفية في لبنان، وإلى إطلالة على الجماعة الإسلامية في لبنان للدكتور بسّام شبارو، الذي يؤكد أن الإسلام السياسي هو فكرة سياسية وإنسانية يحملها الإنسان المسلم، وأن الإسلام ليس ديناً وعقيدة ونظاماً أو حضارة. ويشتمل هذا القسم أيضاً على بحث عن نشأة القوات اللبنانية وتحولها إلى حزب سياسي، ثم إطلالة حول تأسيس حركة أمل وحزب الله والتيار الوطني الحر.
إن هذا الكتاب مقارنة لأوضاع لبنان الاجتماعية والسياسية في التاريخ القديم والحديث، يهدف إلى جذب فئات واسعة من الجامعيين لإعادة تشكيل وعيهم على أساس من المواطنة والتنوع والاختلاف والمساءلة وفق معايير دستورية وقانونية محددة.



Reviews
There are no reviews yet.