الدخول إلى عالم سِجال الراكبي يعني العبور إلى فضاء شعري ذي ملامح خاصة؛ فضاء يتأسس على رؤية تعتبر الشعر انخراطًا في “زمن الجنون”، ذلك الزمن الذي يتحرر فيه الوجود من مألوفيته ويتحوّل إلى حالة إشراق تتصل بما وراء الظاهر. حين تكتب، لا تنفصل عن ذاتها بل تتماهى معها، حتى يغدو الشعر عندها ضربًا من الكشف؛ روحًا تسري في تفاصيل الحياة وتفتّش عن سرّها الكامن.
في ديوانها «لم يأتِ القمر» تفتتح الشاعرة أفق التلقي بإهداء موجّه إلى «الحالمين بالحب والحرية»، وهو اختيار يكثّف منطلق تجربتها. فالحبّ والحرية ليسا موضوعين عابرين، بل محورين بنيويين تتشكل حولهما الحركة الشعورية والرمزية للنص. إنهما معًا طاقة احتجاج وأمل، ومصدر ألم وانتظار، ومن خلالهما تنسج خطابًا إبداعيًا مشبعًا بالتوتر والرغبة في انبثاق حياة أخرى.
في القصيدة التي يحمل الديوان عنوانها، ينفتح النص على مناخ وجداني حميم؛ انتظار مشوب بالحنين، وحوار داخلي يتقاطع فيه الشوق بالخذلان. غير أن الخيبة لا تُفضي إلى انطفاء كامل، بل إلى تعميق الإحساس بالحاجة إلى الآخر/الوطن/الملاذ. وحين تحضر «رائحة البارود» فإنها لا تأتي بوصفها تفصيلاً عابرًا، بل علامة على واقع مثقل بالعنف، يقابله توقٌ إلى صفاء مفقود.
توظّف الراكبي خطابًا عاطفيًا شفيفًا، يخاطب الجمال والأنوثة والمدينة والوطن، ويحمّل هذه المفردات طاقة رمزية تتجاوز معناها المعجمي. فهي حين تستحضر «بغداد» –مثلًا– فإنها لا تشير إلى جغرافيا محددة فحسب، بل إلى ذاكرة جمعية، وجرح ممتد، وأمل بالانبعاث. ويتحول العشق في هذا السياق إلى استعارة كبرى للانتماء، وإلى محاولة ترميم لما انكسر في الداخل والخارج معًا.
لغتها تميل إلى الرهافة والانسياب، لكنها لا تخلو من حزم دلالي. ثمة عناية واضحة بالإيقاع الداخلي، وبحسن توظيف الصورة الشعرية من خلال مفارقات تجمع بين النور والظلمة، القرب والغياب، العطر والبارود. هذا الاشتغال الواعي على الثنائيات يمنح النص حركته الجدلية، ويصنع توتره الجمالي.
يضم الديوان عددًا كبيرًا من القصائد التي تتوزع على عناوين متعددة، تكشف عن تنوع في المناخات والرؤى، غير أنها تظل مشدودة إلى خيط جامع: البحث عن معنى يتجاوز الخراب، وعن لحظة اكتمال وإن لم يأتِ القمر بعد. بذلك ترسّخ سِجال الراكبي صوتًا شعريًا ينحاز إلى الحلم بوصفه ضرورة وجودية، ويجعل من الكتابة فعلاً لمقاومة العتمة لا وصفًا لها فقط.






Reviews
There are no reviews yet.