كانت السيدة مريم تستقبل الزائرين بعينين يفيض منهما ودّ صامت، كأن الحبَّ فيهما طمأنينةٌ تُقدَّم قبل أي كلمة. كانت تُسكِت بكاءَ زوجة جريح، تضمُّه إلى صدرها ليميل رأسه عليها، ثم تُشير إلى الركاب أن يتمهّلوا ريثما يهدأ الألم.
وحين كانت الصدور تضيق ولا تجد إلا الحشرجة سبيلًا، كانت تأخذ الطفل من بين يدي أمّه، كأنها تنتشل برعمه الصغير من عاصفةٍ عابرة. وإذا اشتدّت وطأة الضجيج وتردّد دويّ المدافع في الأفق، بدت كأنها تمدّ للأرض يدًا حانية، تثبّت بها الخطى وتجمع ما تناثر من خوف.
لم تكن الحرب عندها مشهدًا من صليلٍ وحديد، بل اختبارًا للصبر. الرهبة التي تُطلقها الطلقات لم تكن إلا ظلًّا عابرًا أمام يقينٍ ساكن في القلب. وحتى حين تترك الإصابة أثرها في الجسد، يبقى المعنى أبقى من الجرح، ويبقى الصبر أوسع من الألم.




Reviews
There are no reviews yet.