“كنا اثنتي عشرة فتاة قد جمعهن القدر، وظللتهن الظروف تحت سقف هذا البيت، كعالمٍ معزول، وخاص بنا. لكل فتاة منا باستثناء أنا، حياة لا أعرفها؛ فقدتُ في برهة الحقيقة. عالم لم ألمس فيه النور قط، حيث أُسماء أو نسب، لا أعلم، غير أنني أشقُّ رحلة الليل، يبدأ في الظلام، يحدث في الظلام، ينتهي في الظلام. يبدأ مرة أخرى في الظلام كعجلة دائرية مخصصة للوقوف، فإننا لا نعرف معنى الوقوف، ولا يشمله. نحن مركزها. كنتُ الفتاة العذراء الثانية عشرة التي انضمّت إليهن.
كنتُ فتاة عذراء! أما الآن فلا أعلم بعد. ربما أنهار جدار قناعها الحصين، أو تزوجت بلا زواج، أو ربما صارت أمًّا بلا طفل.
بهذا المقتبس المنسوب إلى “مريم” الشخصية الرئيسية في الرواية، يقول هذا السياق حكاية مربكات كثر جمعتهن مسارات ومصائر مختلفة، وأودت بهن إلى مواهي الرديلة. وسواء أكان ذلك المصير بإرادتهن أو دعمًا عنهن، فإن غايتهن ضحايا الظروف والأزمات، ليبقى الجسد هو المفتاح إلى الحل. وبالتالي فإن معيار التمييز بين الجلاد (المجتمع) والضحية (المرأة)، أو بين الظالم والمظلوم، ليس معيارًا أخلاقيًا فقط، بل معيار عملية ذكورية لا ترى في المرأة سوى جسدًا للاستهلاك.
في الخطاب الروائي يعهد هدى السلمان إلى مريم، الشخصية الرئيسية في الرواية، قيادة الأحداث؛ فتُحكى حكايتها هي، وحكايات الفتيات الأخريات عبر لسانها، التي نشترك بها، وتنقل لنا ذلك من موقع الوقائع والأحداث والانخراط فيها، مع موقع الشهادة عليها والعلم بها. يمارس الروائي تقنية الراوي العليم حين يشارك، ونتفق مع الراوي في أن المروية حكايات نساء، ضحايا، بشكل أو بآخر، اختلاف في درجة الظلم الواقع على هذه الضحية أو تلك، وفي الجهة الظالمة.
“أن تُدفن حيًا” رواية فاقت العادة والتقليد، قوية وإيروسية، جريئة ومثيرة، هي عمل أدبي كلاسيكي بسيط ومعقّد في آنٍ مع قراءة كل صفحة تنهيها لألم جديد.




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.