“الأوتار في قيارتها حساسة رقيقة، تغني كما يشاء الآخرون… وكما يشتهون، وحين يشدها الموسيقار بقوة بالغ؛ ولا يكثر الأمر تحملها قوة الشد الكبيرة تلك، ترتخي نفسها من دون سابق إنذار، وفي أغلب الأحيان تتمزق وتلوّح آخر… فتبقى مهملة لوقت طويل، حتى يلتفت إليها موسيقار آخر، يقدّرها ويصلح عطبها، فيعزف عليها لحناً هادئاً ورقيقاً، يتناسب مع شاعريتها وأحلامها البيضاء والوردية… (ها هو ثاني أبنائي يولد الآن، ويضع مشاعره بين أيديكم، فاعملوه بحب، كما تعاملون أحبّتكم، سيحكي لكم ابني مواقف من الواقع، ممزوجة بقليل من الخيال الذي لم ينعدم).”
بهذه العبارات تبدأ الرواية بعاشقة الظاهري وروايتها الشعرية المغنّاة: “عندما شددت أوتاري”، فتفتح الطريق معبّداً أمام القارئ للإطلاع على عالم الرواية الداخلي، وحوارات تنضح فيها نعمة الأنوثة، في أداء لغوي مزيج من اللغة الدارجة والفصحى، ما يعطي الرواية بعداً شخصياً يميز المرأة في العالم العربي، التي شبّهت الكاتبة حياتها كأوتار القيثارة الحساسة الرقيقة. وهكذا كانت “شمسية”، بطلتها الاستثنائية التي حاولت بكل ما تملك قوة إرضاء مجتمعها وأسرتها وحبيبها، الذي ابتعد عنها حتى كانت أن تفترق روحها كما تفترق أوتار القيثارة من شدة الإهمال. وكان عليها الانتظار سنوات عجاف، فيها مرارة الفقد الكثير، حتى يأتي عاشقها أخيراً، يقدّرها ويصلح عطَبها، ويعزف عليها لحناً شجياً، تحيا معه من جديد، وتستعيد معه حلمها وسعادتها، وتشدّ به أوتارها: “أنني أعدتُ شددتُ أوتاري”.
من أجواء الرواية نقرأ:
“… أمي هي حلمي الأول الذي تمنيت فلم يتحقق، أبي حلمي الثاني الذي أتى متأخراً، سالم هو قرار العيش تحت إمرة أحاديث النساء وغاب عن قلبي. حمد هو الوحيد الذي قرر القدوم ليُمسك العصا من المنتصف، جعلني أفرح كثيراً، جعلني أعرف معنى السعادة بعينها ومعناها. هو الذي شد يدي بعدما مدها أبي في زواجي، هو الذي صان أمانة سيف التي عقدها في قلبه حباً، وحافظ على قلبي المنهش من جور السنين فأخذه رمة قطعة قطعة. إنه هو الذي لم آمن رحيله ولم أتوقع غيابه، طعنه سعادتي الأبدية، وإنساني الخالدة، طعنته الصادمة التي لن تسقط من مكانها كي لا يتدفق الدم من ثقوب قلبي، فيختلط مجرى الدم المختنق منه. حمد هو الذي آتني من دون أن أطلبه، جاء ذاتي، أتى من دون أن أحلم بذلك، ورحل من دون أن أودعه أو أقبل جبهته كقبلة نهاية الوداع…”



المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.