في رواية «خفايا الليل» للكاتب الأيسلندي أرنالدور أندريدسون، نجد عملًا بوليسيًا حقق نجاحًا عالميًا لافتًا، إذ بيع منه أكثر من 14 مليون نسخة، وتُرجم إلى ما يقارب أربعين لغة، من بينها العربية بترجمة أبو عكّاي.
تنطلق الرواية من صورة سوداوية لإيسلندا، حيث تشير إلى أن البلاد شهدت في الآونة الأخيرة ازديادًا ملحوظًا في معدلات الجريمة، نتيجة تفشّي البطالة، وتقلّص فرص العمل، وتداعيات الأزمة الاقتصادية. في هذا المناخ القاتم، يتابع القارئ شخصية المحقق المتقاعد كونراد، الذي يعيش عزلة ثقيلة بعد انتهاء خدمته، ولا يزال مثقلًا بعبء ماضيه المهني والشخصي.
كونراد، الذي أُصيب جزئيًا بالعجز نتيجة إهماله الشرطي في الماضي، ظنّ لوهلة أنه سيتمكن من العيش بسلام مع حزنه الخاص، خصوصًا بعد وفاة زوجته مؤخرًا. إلا أن هذا السلام يتبدد حين يجد نفسه مرة أخرى منجذبًا إلى قضية قديمة تحيط بها الأسئلة والكراهية والصمت. لا يفعل ذلك بدافع الواجب الوظيفي، بل بدافع شخصي أعمق، كأنه يحاول إنقاذ ما تبقّى من معنى لحياته.
القضية التي تلاحقه تتمحور حول مقتل امرأة في ظروف غامضة، حيث يقف كونراد أمام سجلّ طويل من الشهود الذين أدلوا بشهادات متناقضة، وضحية لم يكن باستطاعتها الدفاع عن نفسها، وجناة محتملين يلوذون بالصمت. تتكثف أجواء الرواية بالبرودة النفسية والطقسية، في عالم لا يعرف الدفء لا في العلاقات ولا في الأمكنة، حتى إن التفاصيل الصغيرة – كالثياب التي لا تقي من البرد – تصبح جزءًا من هذا الإحساس الطاغي بالوحدة.
وفي لحظة مفصلية، تنطق ماريا بعبارة تختصر روح الرواية:
«هناك شيء غير واضح في كل هذا… فقد كان الأجدر بك أن تترك الجريمة في مكانها، والجثة حيث وُجدت، وهذا عمل رديء على كل حال».
لكن كونراد، وقد استسلم لحالة الهوس الخفي، لا يتراجع. ربما لأن الطفل الذي كانه في الماضي هو من اتخذ القرار، وربما لأنه يدرك أن البحث عن الحقيقة، حتى وإن قاده إلى القتل أو إلى تدمير ما تبقى منه، هو الشكل الوحيد المتاح للخلاص.







المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.