تشير التحولات الجارية في بنية النظام الدولي إلى انتقاله المحتمل نحو حالة من التعددية القطبية، مدفوعة بصعود قوى دولية تمتلك مقومات القوة وتسعى إلى لعب أدوار فاعلة في إعادة تشكيل التوازن الاستراتيجي العالمي. وفي هذا السياق، تبرز روسيا بوصفها قوة تعمل على تطوير قدراتها الشاملة—العسكرية والاقتصادية والسياسية—بما يؤهلها للإسهام في صياغة توازن دولي جديد. وعلى الرغم من استمرار الولايات المتحدة في موقع القوة الأولى عالميًا، فإن مؤشرات المراجعة، لا سيما بعد أزمة أوكرانيا، تعكس توجّه روسيا نحو بلورة سياسات تهدف إلى ترسيخ مكانة دولية متقدمة داخل النظام العالمي.
ولأن مستقبل التوازن الاستراتيجي العالمي يظل مرهونًا بطبيعة القوى الدولية القادرة على إعادة تشكيل هذا التوازن، فإن هذه الدراسة تنطلق من فرضية مركزية مفادها أن روسيا الاتحادية تسعى إلى استعادة موقعها كقوة معادِلة للدور الأمريكي، ليس في نطاق جغرافي واحد، بل عبر أكثر من ساحة إقليمية. وتُعد هذه المقاربة امتدادًا لتحليل طبيعة النظام الدولي في مرحلة ما بعد الأحادية القطبية، واستكشاف فرص وحدود صعود روسيا في ظل تفاعلات القوة الراهنة.
ويشير كاظم حسين النائلي إلى أنه مع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 2000، شهدت روسيا تحولات جوهرية في توجهاتها الاستراتيجية، مقارنة بمرحلة الانكفاء التي أعقبت تفكك الاتحاد السوفيتي. فقد سعت القيادة الروسية الجديدة إلى إعادة بناء عناصر القوة الوطنية، ولا سيما الاقتصادية والعسكرية، بما يعزز حضور روسيا على الساحة الدولية بعد سنوات من التراجع. كما انتهجت موسكو سياسات تهدف إلى كبح مسار الهيمنة الأمريكية المنفردة، والحد من تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على النظام الدولي. وفي هذا الإطار، ركزت روسيا على استعادة نفوذها في مناطق نفوذها التقليدية، وتطوير عقيدتها الاستراتيجية، بما في ذلك الانتقال التدريجي في التفكير العسكري من الدفاع إلى الهجوم، وفق ما تقتضيه حماية المصالح الروسية.
وبناءً على ذلك، قُسّمت الدراسة إلى مقدمة وفصل تمهيدي وأربعة فصول رئيسية وخاتمة. تناول الفصل التمهيدي الإطارين المفاهيمي والنظري لمفاهيم التوازن، مع التركيز على توازن القوى والتوازن الإقليمي، إضافة إلى عرض محددات قوة روسيا الاتحادية. أما الفصل الأول، فجاء بعنوان «تطورات النظام الدولي بعد عام 2001»، وجرى تقسيمه إلى مبحثين؛ ركز الأول على هيكلية النظام السياسي الدولي، فيما تناول الثاني تحولات النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
في المقابل، خصص الفصل الثاني لدراسة موقع روسيا في ميزان القوة الدولية، من خلال مبحثين تناول أولهما أبعاد الدور الروسي في أوروبا الشرقية وجنوب القوقاز، بينما ركز الثاني على التوازن الاستراتيجي بين روسيا والولايات المتحدة. أما الفصل الثالث، فقد عالج أبعاد الدور الروسي في آسيا الوسطى ومنطقة القوقاز، بوصفهما مجالين حيويين لاستعادة النفوذ الروسي. واختتمت الدراسة بفصل رابع قُسّم إلى ثلاثة مباحث؛ ركز الأول على الدور الروسي في تشكيل وإعادة التوازن الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، والثاني على التوازن الاستراتيجي الروسي في أوروبا، بينما خصص المبحث الثالث لتحليل الاتجاهات المستقبلية للتوازن الاستراتيجي العالمي في ظل تنامي الدور الروسي.




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.