في روايته «سنة العصافير»، يقدّم شكيب أبو سعده شهادة على مرحلة معيّنة شهدتها سورية ولبنان قبل اندلاع الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي بقيادة ثوار الجبل. والشهادة الروائية ليست تصويرًا فوتوغرافيًا لواقع الناس ولا تأريخًا لأحداث محددة بعناوين، بل هي تصوير في انعكاس الواقع والأحداث داخل الشخصيات وخارجها والعلاقات التي تجري نسجها فيما بينها، ويتخذ الروائي من شخصية (نجم) و(يوسف) ومجموعة من الثوار حاضنة مناسبة للسرد بحرارته ودراميته ويؤدي بهما إلى استمرار النضال ومواجهة التحديات إلى آخر نفس حتى لو كان الثمن هو الشهادة، وهل الروائي أراد القول مداورة على لسان شخصيته أن الخلاص الفردي لا يمكن أن يكون فرديًا وإنما هو جماعي بامتياز، وهل انتهاء الرواية قبل انتهاء الثورة السورية الكبرى إشارة إلى أن البلاد لن تنتهي معانتها بعد، وأن التاريخ والحاضر يسيران جنبًا إلى جنب، ويعيد أحدهما الآخر، ولكل زمن أبطاله.
من أجواء الرواية نقرأ:
“… حين دخل العرب دمشق، فرّ الأتراك، وضباطًا لاحقوا فلول جيشهم، طلب الحارس من السجناء الهدوء، وعدم إحداث أية فوضى في السجن، متمنيًا إطلاق سراحهم في وقت قريب.
نحن جميعًا عرب، ولسنا أعداء لكم، إنما كنا نتصرف حسب الأوامر التي لا نستطيع مخالفتها، حيث كنا عبيدًا لمأمورين.
بعد دخول قوات الثورة العربية إلى دمشق، رُفعت القيود عن أرجل السجناء، وتغيّرت معاملة السجانين. أحسن أبو جبل المشبكة إنزاع عنقه، وابتعد عنه شبح الموت. غمرت نفسه طمأنينة كانت قد هجرته منذ معتقل (الهواة) وإلقاء القبض عليه.
كان يوسف ينتظر الخروج إلى فضاء الحرية، لكن الانتظار طال كثيرًا، مرّت شهور لم يأتِ أحد يسأل عنهم أو عن أحوالهم. الفرج لم يأتِ؛ لأن أكثر المساجين لم يُنظر إليهم كسجناء سياسيين أو مناوئين للسلطة العثمانية؛ إنما قُدِّموا في المعتقلات على أنهم سجناء جنائيون، قتلة، وخارجون عن القانون. لم يلتفت إليهم أحد…”




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.