حلّقت السرديات العربية في الأيقونة الأخيرة بمحكيات المرض والمعاناة الجسدية والنفسية بوصفها شهادة على تجربة ونسجًا لواقع، بحيث تكون في مستوى ما من التمثيل السردي، ردًّا صوتيًا على حالة الموت المجازي التي تسكن باطن الجسد السقيم وهو ما يزال حيًّا، وهو ما أشار إليه ما تقول رواية “أنوركسيا: تحت جناح النسر”، منذ عتبة العنوان الأولى إذ تستحضرها الكاتبة لطبقة الجرح باعتبارها عنوانًا من جهة، وتيمة مهيمنة على طول النص بشكل مباشر من جهة أخرى.
وتعني تيمة المرض في “أنوركسيا” هو مرض فقدان الشهية العصابي واضطرابات الأكل الذي يصاب به بعض الأفراد من دون أن يدرك المحيطين بهم أسبابه، وهو المرض الذي شُخِّص به سلامة، بطلة هذه الرواية، والتي حلمت أن تكون عالِمة بيولوجية كأستاذتها في الجامعة. هذا ما إن أخذ المرض منها حلمها، وجدت نفسها في مستشفى خاص بأمراض الأنوركسيا، يحيط بها المرضى والمعالجون من كل جهة، وهي ما تزال تصارع المرض من تجربتها الخاصة، وكلّ مريضة حكايتها مع الأنوركسيا التي تمرّ بها سلامة مع كثير من الأحلام والآمال في خيال يتماثل المرض.
ما يميز هذه الرواية هو قدرتها على الموازنة بين سقوط الألم، واللذة التصويرية، في التقاط تفاصيل الألم الجسدي والنفسي في الآن ذاته، عبر حضور حسّي واضح للكتابة، ينتج أسلوبية درامية افتراضية بين الذات وباطنها، أو تعبير أرقى بين الإحساس بالعلة المرضية والشعور بالعجز والرغبة في البقاء والشفاء؛ مع تمكّن واضح من رسم عوالم تخييلية بالغة التأثير عن مشاعر الألم المرضي ومعاناته وتحليله.




Reviews
There are no reviews yet.