في استعارة لا تخلو من اختزال أيديولوجي يمكن تفسير اختيار الكاتب العراقي إحسان يونس لعنوان روايته مثل “بانتظار المنقذ الأعظم”، ولكن بعد أن حاول إنزاله من سمائه المتعالية إلى أرضه المحايثة، وعلى نحو يؤول إلى تفسير ما يجري في العالم من نوع من التقنية الروائية التي تجذب صاحبها المساءلة. فمن خلال هذا العمل الفريد والمميز يأخذنا إحسان يونس بسينما تشهد مع بطل روايته مرض الحيوانات المحترق “نيل” على كارثة تمثل الصراوي في أفق وأغنى محمية في العالم، محمية بسماوا الشهيرة، التي تملأ ملصقاتها الدعائية جميع أنحاء العالم المتقدم، وفي قنوات الدعاية المختلفة. لقد أبيدت الأسود والنمور والأفاعي الملونة الجميلة في بيئة يفترض أن تحميها، والأكثر من ذلك كله أنها أبيدت على يد الحمير في مشهد لا يُصدق: “رأيت الأسود ترتعد وتزأر عند سماعها طلقات البندقية، والحمير لا تبالي، وتهجم على الصراوي”. هكذا وصف “نيل” ما حدث للسيد “ديير” رئيس محمية الصراوي: “رأيت الوحوش تقف أمام الحمير على بعد كافٍ، تحتقرها بهمجيتها، ثم رأيت الحمير تهاجم مندافعة نحو السياج تريد تحطيمه، فاضطرت طلقات في الهواء، خافت الوحوش وهربت، لكن الحمير لم تخف وماجنتي، ولو لم أهرب لحطمت السياج وقتلتني”.
على هذه المفارقة في عرض المحكي، وبصور بلاغة الإيحاء، يكشف الكاتب تناقضات السياسة الخارجية العالمية، ويعري فضائح مافيا السلاح في بلداننا التي لا تقل ضراوة عن مافيا الوحوش الآدمية، ويبرز الدور المتصاعد لظاهرة العنف بمختلف تجلياتها في دول ومؤسسات متغنطة بشعارات إنسانية وحقوقية والتي تضم أكثر مما تعلن حتى بدت أشبه بالحمير الوحشية. “ما لفت النظر أن جميع الحمير المهاجمة، والمكنسة خلف باب السياج، كانت تحمل علامات سوداء، أو كويات بيضاء، وعقودًا عسكرية، بيريات، وقبعات أمريكية، وأوروبية، ومدنية ملونة على رؤوسها”. إنها ثورة الحمير التي يفتتح بها عصرنا الجديد. نندب سيطرة القوي على الضعيف، نندب سيطرته على العالم لا لألف آخر، كما تنبأ الشيد جورج بوش الأب، ربما لخمسة قرون قادمة وأكثر.




Reviews
There are no reviews yet.