تعالج الكاتبة أماندو غورجي في هذه الرواية موضوع البدايات الشاقة التي تستلزم قدرًا كبيرًا من الصبر والجهد والتضحية، إضافة إلى الأعمال اليومية المضنية التي يقوم بها الإنسان ثم تُنسى فور اكتمالها، رغم أنها الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء لاحقًا ويُستثمر عند لحظة الاحتفال والاعتراف. ويتجلى هذا المعنى بوضوح في استحضار الذكرى المئوية لتحويل مدينة «كوجالي بازار» إلى مدينة حديثة وجميلة ومزدهرة. ورغم إعجاب الكاتبة بالنظام والتشجير وتوسّع البنية العمرانية، فإنها لا تتوقف عند المظاهر، بل تعود إلى ما قبلها، إلى ما كان قائمًا وما تم محوه ونسيانه، ساعيةً إلى نبش الجذور والبحث في الأعماق، في ما تسميه «المنطقة المظلمة» من التاريخ.
تصرّ الكاتبة على كشف الوجه الذي غيّبته السردية الرسمية، ذلك الجانب المطموس من مسيرة التاريخ الطويلة. وتنطلق من مثال مدينة «كوجالي بازار» التي شارك في بنائها كلٌّ من اليوناني والهندي والزنجي، في دلالة على التنوّع الإنساني والعمل المشترك، ثم تربط هذا البناء بتفريغ المدينة لاحقًا من الفقراء والمعدمين، وتحويله إلى جزء من الأسطورة الرسمية التي تمجد الإنجاز وتُخفي ثمنه.
وفي هذا السياق، تفضح الرواية نفاق الأخلاق وازدواجية الخطاب السائد، وتُظهر كيف يسعى الإنسان إلى الهيمنة والقوة، وكيف تُستخدم الحضارة والقوانين كأدوات لستر العنف والطمع. كما تكشف عن الآليات التي تُحجب بها الحقائق خلف الأقنعة، وعن الخطاب الذي يقدّم الإنسان بوصفه قيمة مطلقة، فيما يتم سحق الإنسان ذاته باسم التقدم والنظام.
إنها رواية متكاملة، كثيفة ومتماسكة، تستند إلى تجربة حياتية طويلة للكاتبة، وتتحول إلى سجل عميق يعري الاستبداد والقهر ويؤرخ لموقف إنساني واضح لا يساوم. وفي خاتمة العمل، تؤكد المؤلفة موقفها بقولها:
«نعم، يقولون بصوت واحد: لا بديل. لكنني أقول: أريد أن أكشف عن الوجه المظلم، وأن أسلط الضوء على ما جرى محوه من التاريخ. أريد أن أصل إلى عمق البدايات المتعبة، إلى الصبر والكدح والبناء والدم، وإلى القدرة على مواجهة العنف لا الخضوع له. أريد أن أقول نعم حين يكون النعم فعلًا إنسانيًا حقيقيًا، وأن أقول لا حين يكون الصمت خيانة أو تواطؤًا… ولا أعدُّ ذلك عهدًا أخيرًا».






Reviews
There are no reviews yet.