«كان عمر ينظر من بعيد إلى هذه الجملة من السكارى ويستمع إلى هذا الكلام الذي تتنحّى جانبًا عنهم منذ البداية. أراد أن يسمع بنفسه ذلك الكلام الذي يروى في كل مكان من المدينة المحروسة. كانت حكاية يوسف وباية الجبّاوية منتشرة في كل مجلس، تُحكى على كل لسان كما تُحكى النار في البن أو في كومة من العوسج؛ يتناولها الناس في المقاهي والمحطات والساحات… في الدروب وعلى الأرصفة، حتى أن السكارى يتداولونها في خيالاتهم، وعندما يستيقظون به من الوصول إلى آخر السكارى يطلون على صورة الواقع المختلفة، التي تقلقهم، وخصوصًا حين يسمعون حكايتها أمام الأسئلة التي يجرؤون على طرحها فيما بينهم عندما يشعرون بأن ليست لهم امرأة حقيقية، لذا يتكتّمون عند البوح بأسمائها أيضًا أمام الشرطة أو العسكر ويخفون معارفهم بها، تمامًا كما يخفون قطع الكيف ويضعونها في علب الكبريت وفي بطون السراويل والجاكيت أو يرمونها بين السجائر تحت في الطابع. لقد صارت تلك الحكاية مجموعة من الناس لا تظهر مرة باللون، ولكنها كل مرة تكاد على كل لسان بلهجات مختلفة. أخذاً مختلفة، وكل راوٍ يضيف لها من عنده، لذلك ظلّت التفاصيل تفقد بحجم الزيادات… وأما تلك الزيادات، فكانوا يضيفون إليها الوقائع الكاذبة، وما هي إلا رغبة الشبان تتدّ من أقوال أولئك الذين قالوا بأنّه هو من قتل… أنهم يطعنون ويبدسون… ما هم يدعون عليه.»
من خلال روايته هذه يحاول الكاتب يوسف الدسوقي أن يعبر المجتمع الجزائري بصورة عامة، وتلمس بصورة خاصة من موجات رعب سببها سلوكيات البعض وغلوهم، ليعمّق بذلك وعيه في مرجعية لفكر كما أيضًا في تصورات وهمية، حيث يجعل كاذبة استبدل فيها النساء والرجال في ذلك المجتمع. وفي إحدى مشاهد الرواية، إذ نراه يقول: «تلك الكلمات التي تلقى في العزاء وفي الجرائد أو في الكتب، ليس لها معنى لأن عيوننا لا تزال تلمس عيون أمهاتنا وآبائنا والمقهورين وأوجاعهم، ولا نزال نقول إن هذا شأننا وهمنا لكي نخلص منهم. نحن في تعلم هذا زمان لا ندري متى ينتهي. إلى أن كتب تقول إننا تعلمنا حب الوطن وبنينا حب الآخرين لأننا ظللنا عبر تاريخهم الطويل من الفقر والانفصال، فنحن من نحتفظ بحقوقنا، ونرى أن هناك ما ينبغي نفضه بملامح مختلفة.»
وتجدر الإشارة إلى رواية «خضرة في الجسد» هذه الرواية الفائزة بجائزة مالك حدّاد في دورتها الثالثة، وهي تستحق ذلك أسلوبًا وموضوعًا ولغةً.



Reviews
There are no reviews yet.